محمد ابو زهره
52
خاتم النبيين ( ص )
تذهبين ، فقالت : أنا هاربة من وجه مولاتي ساراي . فقال لها ملاك الرب : ارجعي إلى مولاتك ، واخضعى تحت يديها ، وقال لها ملاك الرب : تكثيرا أكثر نسلك فلا يحصى ، وقال لها ملاك الرب : ها أنت حبلى وتلدين وتدعينه إسماعيل ، لأن الرب قد سمع لضراعتك ، وأنه يكون إنسانا وحشيا ، يده على كل واحد ، ويد كل واحد عليه ، وأمام جميع إخوته يسكن » . وجاء في الإصحاح الحادي والعشرين : « مضت وتاهت في برية بير سبع ، ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار ، ومضت وجلست مقابله بعيدا على مرمى القوس ، لأنها قالت : لا أنظر موت الولد ، فسمع الله صوت الغلام ونادى ملاك الرب هاجر من السماء : لا تخافي ، لأن الله قد سمع صوت الغلام حيث هو ، قومي احملى الغلام ، وشدى يدك به ، لأنى سأجعله أمة عظيمة ، وفتح الله عينها ، فأبصرت بئر ماء ، فذهبت وملأت القربة ماء ، وسقت الغلام ، وكان الله تعالى مع الغلام ، فكبر ، وكان وسكن في برية فاران ، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر » . . 43 - ( أ ) هذه نصوص صريحة في التوراة تدل على أن إسماعيل ولد من هاجر جارية سارة ، وأنه ولد في برية فاران ، وهي قد كانت حول الكعبة ، وأن هذا حجة على منكر أن يكون إسماعيل من ولد إبراهيم أو أنه جاء إلى أرض الحجاز ، وأن اليهود قالوا هذا ليتقربوا إلى العرب ، بحسبان أنهم أولاد عمومة . ( ب ) وعلى أن هذا التشكيك أمر مثير ، من غير بينة ، ولا دليل ، وكأنه يشك في التوراة أيضا ، وما كانت إصحاحات التوراة مقارنة لتقريب اليهود من العرب ، بل إنها سابقة على ذلك . وإن الشك الذي أثاره تدل الأمور الثابتة على مناقضة ما أثاره ، وذلك لأن الطبع اليهودي في ماضيهم وحاضرهم أنهم لا يعترفون لأحد بدين غير دينهم ، وأنهم كانوا يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه ، ويقولون وهم بين ظهراني العرب : ليس علينا في الأميين سبيل . . . وأن المعروف أنهم كانوا في البلاد العربية يستعلون على العرب ويظنون أنهم الأعلون بما أوتوا من كتاب . ( ج ) وفوق ذلك فإن العمومة المدعاة من اليهود لا أصل لها في زعم ذلك الكاتب النحرير ، فكانت للعرب العدنانية التي تنتهى إلى إسماعيل عليه السلام ، وهم الذين يسمون العرب المستعربة ، واليهود ، عندما اووا إلى العرب فارين بدينهم من عنت التتار ، ومن بعدهم الرومان ، ومن أذاقوهم العذاب أكؤسا ، إنما أووا إلى أرض عرب قحطان ، فهل يعقل أن يتملقوا القحطانيين بادعاء النسب إلى العدنانيين ، والارتباط بينهم برباط القرابة بالعمومة ونحوها ، إنما المعقول الذي لم يدركه الكاتب النحرير أن يكون الادعاء عند القحطانيين ، لا عند العدنانيين ، ولا يصدق كلام ذلك إلا أن يكون تصرفهم مخالفا كل معقول ، ويأتون عكس ما يريدون ، كعقل ذلك الكاتب .